محمد جواد مغنية
535
في ظلال نهج البلاغة
وأجاب الإمام بأن الحال تختلف باختلاف الأشخاص ، فبين لسان المؤمن العاقل وقلبه علاقة قوية جدا ، وهي من نوع العلية والسببية ، وذلك أن المؤمن العاقل يزن كلامه ، ويفكر طويلا قبل أن ينطق به : هل هو له أو عليه ، خوفا من سوء العاقبة . وبعد التثبت من صدقة ومرضاة دينه ووجدانه يلقيه على السامعين ، وبهذا يكون لسانه تابعا ونابعا من قلبه وعقله ودينه . أما المنافق فلا يشعر بالمسئولية ، ولا يخشى دائرة السوء ، ولذا يلقي الكلام جزافا من غير تفكير وروية في أنه له أو عليه ، حتى إذا ذاق وبال كلامه أفاق من كبوته ، وشعر بالمسئولية . . ولكن بعد فوات الأوان ، ومعنى هذا ان كلامه سابق لشعوره وتفكيره . ( قال رسول اللَّه ( ص ) : « لا يستقيم ايمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه » . ) ويدل هذا الحديث بظاهره على أن سلامة الايمان تنبع من سلامة القلب ، وهذا حق لا ريب فيه ، وأيضا يدل الحديث على أن سلامة القلب تنبع من سلامة اللسان . . والذي يبدو ان العكس هو الصحيح وان سلامة اللسان من سلامة القلب . ويمكن الجواب بأنه لا محل للايمان إلا القلب ، ويستحيل وجوده بدونه ، أما الكلام فقد ينبع من القلب كما هو الشأن في كلام المؤمن ، وقد يكون كذبا ورياء كما هي حال المنافق ، ومراد الرسول الأعظم ( ص ) من قوله : « لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه » ان الايمان لا يتم إلا إذا انسجم القلب مع اللسان ، وبدون ذلك فلا ايمان ، بصرف النظر عن نوع الصلة والعلاقة . ( فمن استطاع منكم أن يلقى اللَّه إلخ ) . . هذا الكلام أسلوب من أساليب الوعظ والإرشاد ، وليس تحديدا لحكم الدماء والأموال وشروطه كي يقال : إن الاستطاعة من الشروط لجميع الأحكام والتكاليف ، وليس لتحريم الدماء والأموال والغيبة فقط . الحلال ما أحل اللَّه . . فقرة 7 - 9 : واعلموا عباد اللَّه أنّ المؤمن يستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل ، ويحرّم العام ما حرّم عاما أوّل . . وإنّ ما أحدث النّاس لا يحلّ لكم